الشيخ محمد علي التسخيري
26
ماضي المرجعية الشيعية وحاضرها
ويراه أعلم الناس باختلاف الناس ، وأوسع الفقهاء إحاطة ، وكان مالك يختلف إليه دارساً راوياً . ولا يزيده فضل الأستاذية على أبي حنيفة ومالك فضلًا ، فالصادق لا يمكن أن يؤخّر عن نقص ولا يقدم عليه غيره عن فضل ، وهو فوق هذا حفيد عليّ زين العابدين ( عليه السلام ) ، الذي كان سيّد أهل المدينة في عصره فضلًا وشرفاً وديناً وعلماً ، وقد تتلمذ له ابن شهاب الزهْري وكثير من التابعين ، كما أن الصادق هو ابن محمّد الباقر الذي بقر العلم ووصل إلى لبابه « 1 » . أسلوب المناظرة يكشف عن علم أهل البيت ( عليهم السلام ) كانت حياة أهل البيت مليئة بالحوار العلمي ، فهم رجال الحوار الذين تمثّلوا آدابه وأساليبه الصحيحة بالشكل والمضمون اللّذين أوضحهما القرآن الكريم ، فكانت مجالسهم أو المجالس التي يحضرونها ساحة للمناظرات ومواقف للاحتجاج . وتختلف هذه المناظرات في دوافعها باختلاف الأحداث التي أدّت إليها ، فهناك مناظرات كان بعض الحكّام يهدفون إلى إحراج أهل البيت فيها . وأخرى كانت تجري في جوّ علمي صرف هدفه إظهار الحقيقة ، وثالثة كانت بطلب من آخرين ، حكّاماً أم رواة وفقهاء ، بعد أن عجزوا عن مجاراة الخصم . وقد جمع بعض المؤلفين هذه المناظرات في كتب خاصة نقلوها من مصادرها الأصلية ، من قبيل كتاب الاحتجاج للمرحوم الطبرسي . والمهمّ في هذه المناظرات ، وبكلمة أدق ما يفيدنا في هذا البحث ، هو أن أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) لم يخصموا أو يحرجوا أو يتردّدوا في أي من هذه المناظرات ، برغم أن بعضهم ( كالإمام محمّد الجواد ) أقحم في مناظرة علمية رفيعة المستوى وهو دون التاسعة من عمره - كما سيأتي - فضلًا عن المستوى العلمي الفريد الذي كانت تكشفه هذه المناظرات ، ممّا يجعلها دليلًا آخر من الواقع العملي على مرجعية أهل البيت التي لا ينافسهم عليها أحد .
--> ( 1 ) الإمام الصادق ، الشيخ محمد أبو زهرة : 3 .